Excerpt for الهزيمة والأمل: مشروع التحرر وقاع الثورة في ليبيا by e-kutub Ltd British Company, available in its entirety at Smashwords

Hope & Defeat:

The liberation project & the dregs of the revolution in Libya

BY:

Ali AlSarraf

Copyright E-kutub.com 2011

Published by E-Kutub.com at Smashwords

ISNB: 978-1-780-58000-5

SMASHWORDS EDITION

* * * * *

PUBLISHED BY:

e-kutub.com on Smashwords

Hope & Defeat:

The liberation project & the dregs of the revolution in Libya

Copyright 2011 by e-kutub.com

Smashwords Edition License Notes

This ebook is licensed for your personal enjoyment only. This ebook may not be re-sold or given away to other people. If you would like to share this book with another person, please purchase an additional copy for each person you share it with. If you're reading this book and did not purchase it, or it was not purchased for your use only, then you should return to Smashwords.com and purchase your own copy. Thank you for respecting the author's work.

* * * * *

الطبعة الألكترونية الأولى

جميع الحقوق محفوظة.

مرخصة فقط للإستخدام الألكتروني، لا تجوز طباعة أي جزء من هذا الكتاب على ورق.

كما لا يجوز الاقتباس من دون الإشارة الى المصدر.

هذه الطبعة محمية ضد النسخ وإعادة التحميل والتدوال غير المرخص به.

أي محاولة للنسخ تعرض صاحبها الى المسؤولية القانونية.

*****

الهزيمة والأمل

مشروع التحرر وقاع الثورة في ليبيا

علي الصرّاف

*****

الإهداء

الى كل ضحايا العقيد معمر القذافي،

الى العقيد نفسه، لنرى إن كان له ضمير فيصحو،

الى أبنائه الذي يعدون أنفسهم لوراثة سلطة ليست من حقهم.

*****

محتويات الكتاب

ـ لماذا هذا الكتاب (مقدمة)

ـ الهزيمة والأمل

ـ أمين القومية العربية

ـ القومية العربية: أنبياء الثورة والمسيح الدجال

ـ مملكة الفساد

ـ النظرية خضراء، والواقع أجدب

ـ الطاعون والنظرية الخضراء

ـ فساد الرؤية: الملك عاريا

ـ القذافي "مفكرا"

ـ الإيمان بالكارثة الشاملة

ـ إقطاعية الإنتهاكات

ـ مجزرة أبو سليم: سلطة حمام الدم

ـ مجزرة أبو سليم: تقرير شاهد عيان

ـ إعادة بيع الجريمة

ـ جماهيرية العقداء السبعة

ـ "يا ولدي، هذه خالتك هيلاري"

ـ نبي الثورة الغائب

ـ نبذة عن المؤلف

*****

لماذا هذا الكتاب؟

يحكم العقيد معمر القذافي بلاده منذ أربعة عقود، مما يجعله واحدا من أقدم الحكام في العالم. أما في العالم العربي، فهو الأقدم على الإطلاق.

لقد شهد هذا الرجل أحداثا ومتغيرات يمكن أن تجعل منه سجلا تاريخيا قائما بذاته، وذلك لو أمكن لأي مؤرخ أن يأخذ منه قصة غير مضطربة. ولكن أمل المؤرخ يظل محدودا للغاية ليس لأن العقيد عاجزٌ عن تقديم رواية، بل لأن الرواية نفسها لن تكون رواية أبدا.

شيء من فوضى الذهن، وشيء من المواقف المسبقة، وشيء من تضارب الانفعالات سوف تجعل من المستحيل تقريبا أن تعرف الطرق التي سلكها، والإنقلابات التي إنقلبها، والعواصف التي أثارها، والحروب التي خاضها، والوحدات التي أقامها وحطمها، والمشاريع الوهمية التي بناها، والأموال التي بددها، والمنظمات التي دعمها، وأعمال الإرهاب التي رعاها، والإغتيالات التي نفذها، والعهود التي نقضها، والسياسات التي بدّلها، والشعارات التي ركبها، والخصومات التي اختصمها،...

إنه شيءٌ خرافي.

فإذا كان قِدرُ مصائبنا يجلس على أثفية الهزيمة تجاه إسرائيل، وأثفية فشل المشروع التنموي، فهو، في السياسة، ثالثةُ الأثافي.

لا يمكن لأحد، إذن، أن يكسبه مُؤرخاً. إنظر الى مقابلاته التلفزيونية وستلاحظ على الفور انه لا "يُجمّع" حكايته على سياقٍ عاقلٍ واحدٍ. وسترى انه لا يستطيع أن يتصرف كإنسان من دون أن يُحلّق في فراغه الشارد، ويقفز من فكرة الى أخرى، ومن موضوع الى موضوع، من دون انتظام أو سياق، حتى ليبدو وكأنه أكبر منتج للهراء في العالم العربي.

ومع ذلك، فانه ما يزال يحكم كواحدٍ من ضباط جمهوريات اميركا اللاتينية التي كان يطلق عليها إسم "جمهوريات الموز". إنما من دون أن يزيحه ضابطٌ آخر.

ولكن هناك خسارة أهم بكثير.

في العديد من دول العالم المتحضر، فان الحكّام الذين يحكمون لما يفترض انه أكثر من "فترة" واحدة يظلون واقعين تحت هاجس السجّل. فهم يريدون أن يتركوا وراءهم سجّلا يمنحهم التاريخُ، بفضله، علامةً فارقة.

والسجلُّ هو ما يُخزي معمر أبو منيار القذافي.

أثبت العقيد على إمتداد أكثر من 40 عاما شيئا واحداً، هو انه رجلُ قسوةٍ وعنفٍ وغطرسةٍ، ليس لأنه حقق معجزاتٍ إقتصاديةً أو إجتماعية أو سياسية، بل لأنه حقق فشلاً.

وهل يمكن للفشل أن يجعل المرء متغطرسا؟

نعم. فعندما يصدرُ الفشلُ عن تطرفٍ في العمى بحيث لا يعود المرءُ قادراً على محاكمة أفعاله، أو على نقد تجربته الخاصة، أو على مساءلة نفسه (طالما انه ليس لدى الجنرال من يسائله)، فان الغطرسة تكون هي آخر الثمار المُرّة عادة.

عندما يُلقي المرءُ باللوم على غيره، في النتائج التي تحصدها بلادٌ تحت قيادته، فان النتيجة الطبيعية هي انه يعود ليجسد ما يعرفه الجميع:

ملأى السنابل تنحي بتواضعٍ

والفارغاتُ رؤوسهنَّ شوامخُ.

ولم يجسّد القذافي شيئاً جديداً على أي حال، فهو كرر ما كان يفعله كل الطغاة العالمثالثيين. سوى أنه أمضى مدةً أطول من الجميع في ترسيخ هذا الفشل وفي تحويله الى منهج، بل وفي التنظير له على انه معجزة.

هل يمكن للمرء أن يعيش مُفارقاً للواقع الى هذا الحد؟

نعم. يضع العقيد القذافي نفسه في منزلةٍ فوق البشر. وبالتالي فانه يعيش في عالمه الخاص. وهذا العالم قائمٌ على كيانٍ من التصورات الوهمية التي تضع حاجزا بينه وبين رؤية ما يحيط به. وأكثر من ذلك، فانه يحتقر شعبه. ولا يتردد في توجيه الإهانة لأي أحد، بمن فيهم أقرب المقربين إليه. ولئن كانت ليبيا بلدا غنيا بالخبرات والكفاءات المرموقة، فقد تعمّد هذا الرجل سحقها وتهجيرها، لانه ما كان ليسمح لأحد غيره أن يفكر، أو أن يقول رأيا. والشرط الرئيسي للعيش تحت جناحه هو القبول بإفتراضاته. وهذا الشرط أدى، كما يفعل الطغيان عادة، الى تدمير قدرة المجتمع على إنقاذ نفسه. فعندما تتحول النخبة الى أبواق للعنف والصخب، فان النتيجة عادة ما تكون كارثة بالنسبة للمجتمع، لانه لا يعود هناك من يمكنه أن يقدم له حلولا أو مخارج.

لقد سُئلتُ مرارا عن الأسباب التي تدفعني الى القيام بهذا العمل.

وكنت أقول إن هناك ثلاثة أسباب على الأقل:

الأول، هو إن العقيد القذافي أمضى في السلطة أربعة عقود، وقد آن الأوان لكي يقدم، ونقدم له، كشفا بالحساب.

وبهذا المعنى، يحاول هذا العمل أن يقدم مساهمةً، ربما تكون الأولى، لكي نقرر المكانة التي سوف يحتلها هذا الرجل في تاريخ ليبيا وفي التاريخ العربي. إذ ليس من المعقول أن تكون أبواق الدعاية المُشتراة والمبتذلة هي الكلمة الأخيرة في صناعة تلك المكانة.

هناك من يقول اليوم إن التاريخ سينظر اليه كجلاد ومجرم يستحق المحاكمة، ولكن الأمر، بالنسبة لهذا الكتاب، لا يقصد إصدار الحكم، وإنما تحليل الوقائع التي يمكن أن تقود اليه.

فقط الوقائع هي التي سوف تكون لها اليد العليا في بناء التحليل، وهي مصدره الوحيد. وكوقائع، فان كل الناس الذين عايشوا هذه التجربة، يعرفونها، بل ويعرفون أكثر منها بكثير. ومع ذلك، فهذا الكتاب ليس "دراسة" أو "بحثا". إنه بيان إدانة، وفاتورة كشف حساب، إنطلاقا من تلك الوقائع.

والثاني، هو إن العقيد بدأ مشروعه على أساس أيديولوجي. وكان من المهم تماما للمرء أن يحلل المسار ليرى كيف يمكن للأيديولوجيا أن تتحول، بسهولة، الى عمل من أعمال الدجل. وهذا أمرٌ في غاية الأهمية لكل الذين لديهم مشاريع أيديولوجية. على الأقل، من أجل ألا يجدوا أنفسهم غاطسين في المستنقع نفسه. وعلى الأقل، لكي يتحاشوا إعادة صنع الهزيمة.

نحن بحاجة ماسّة الى أن نجعل من العقيد القذافي الهزيمة الأخيرة في تاريخنا.

فبكشف حسابه ننجو. وبالتبرؤ منه نتطهر. وبالإبتعاد عن سلوكياته ننضج ونعقل.

والثالث، هو إن المشروع القومي الذي انطلق منه العقيد تحول على يديه الى مشروع خراب وفوضى. وهذا المشروع يستحق أن يُسترد، وأن يُنقذ من براثن السطحية والشعارات، وأن يعود الى أصله كمشروع تحرري للإستقلال والتنمية والوحدة.

المسافةُ بين المشروع التحرري وبين الدجل، يجب أن تظل واسعةً، من ناحية، وخاضعةً لمحاكمة متواصلة، من ناحية أخرى.

وهذا الرجل يبيع شعارات ضد المستعمرين. ولكنه في المقابل يبيع بلاده للمستعمرين بأرخص الوسائل وأقلها حرصا على التحرر من الهيمنة.

وإذا لم يكن هذا دجلا، فمن سيكون بحاجة الى معرفة ما هو الدجل؟

مع ذلك فان أعمال الدجل التي يمارسها تُلحق بنا الضرر، وتحطم قدراتنا على النجاة، لصالح "العدو" نفسه الذي يزعم العقيد أنه يحاربه.

الكتاب يصدر، كما يستطيع الجميع أن يلاحظ، في أجواء لا يوجد فيها من يهاجم العقيد على مستوى الدول.

علاقاته بالسعودية، على سبيل المثال، تمضي في اتجاه المصالحة وطي صفحة الخلاف. وعلاقاته بدول المنطقة الأخرى جيدة، إن لم تكن ممتازة. فهناك من دول المنطقة مَنْ هي بحاجة الى أمواله، وهناك منها مَنْ يتحاشى أعماله الصبيانية قائلا "إبعد عن الشر وغني له"، وهناك منها مَنْ لا يجد متعةً في إثارة توترات معه لانه سرعان ما يحولها الى هرج ومرج.

وهل هناك اليوم، بعد المليارات الطائلة التي دفعها كتعويضات عن "لوكربي" وغيرها، مَنْ يمكن أن يحرك ضده جهدا؟ ومن أجل ماذا؟

الرجل، لم يُقصّر لا مع الامبريالية، ولا مع عملائها. وعندما وقعت الأزمة المالية العالمية، فبدلا من أن يقف (محايدا على الأقل) لكي يراها تنهار، فقد هبَّ بكل أموال بلاده لكي "يستثمر" في إنقاذ الشركات التي كانت تقف على حافة الإفلاس. و"السي. آي. أيه" يجب أن تكون قليلة الأدب لكي تنكر عليه دوره "القومي" الحقيقي في الذود عن مصالح الإستعمار والإمبريالية وحمايتها من الإنهيار.

وإسرائيل نفسها تعترف بانه رجلٌ "مسؤول" و"عقلاني" حسب وصف افيغدور ليبرمان وزير الخارجية الاسرائيلي الذي تفاوض مع رجال العقيد من أجل إطلاق سراح الجاسوس الإسرائيلي رافائيل حداد.

وزيادة على الطين بلة، فبما أن ذلك الجاسوس ذهب ليصوّر أملاك اليهود في ليبيا، فان المفاوضات توصلت في ما يبدو الى اتفاقٍ تقدم ليبيا بموجبه تعويضات مُرضية لإسرائيل. وظلت الصفقة سرية بين الطرفين. والله وحده يعلم كم دفع، وكيف، لينتهي الأمر بـ"أمين القومية العربية" الى أن يقوم، في واقع الحال، بتمويل إسرائيل!

وعندما أرسلت ليبيا، على سبيل النفاق، سفينة إغاثة للفلسطينيين المحاصرين في غزة، عقب حادثة الصدام مع السفينة التركية "مرمرة"، فانها إمتثلت للأوامر الإسرائيلية، لتأكيد الطبيعة "المسؤولة" و"العقلانية" لنظام العقيد. وهو ما يعني أن "الموساد" واليمين الإسرائيلي المتطرف يستطيع أن يقدر "المسؤولية" و"العقلانية" التي يتميز بها رجال العقيد.

وكل هذه وقائع، وهي لا تحتاج الى تأويل لكي تكشف عن طبيعتها.

إنظر، أيضا، الى الطريقة التي يتعامل بها العقيد، ليس مع الكُتّاب والمثقفين وحدهم، بل وحتى مع زعماء الدول أيضا، وستعثر على مستوى لا حدود له من التعالي والاحتقار والغطرسة.

وإسأل، بعد ذلك، نفسك: على ماذا؟ ما هو الإنجاز التاريخي الذي حققه هذا الرجل لكي يُصعّر خده للناس؟ ما هي المعجزة التي نزل بها في بلد تتخرب بنيته التحتية ويعيش ثلث سكانه عند حدود الفقر، وتتجاوز نسبة البطالة بين شبابه 20%؟

لن تعثر على الكثير، ولكنك ستعثر على شيء واحد فقط، وستعرف انه وحده مصدر كل الغطرسة: المال.

يشعر العقيد انه يستطيع شراء أي أحد. وبما أنك تمد له يدك، فمن حقه الطبيعي عليك أن يُصعّر لك خده.

كل الذين يتذللون له، وكل الذين يعتبرونه عبقريا، وكل الذين يتجاهلون كوارثه، وكل الذين يعملون لحسابه كأبواق، يفعلون ذلك إما لانهم قبضوا مالا، أو لأنهم طامعون بأن يعطيهم مالا.

هذه هي كل القصة.

هناك، مع ذلك، مَنْ كان لديه من عميق الجرح ما لا يمكن ستره بالمال.

لقد كنت أحب أن أقول، لقد أعددت هذا الكتاب لصالح حريتي وصفاء ضميري، فأصعّر خدي أنا الآخر.

ولكني في الحقيقة لا أستطيع التعالي على أحد. فهناك بين الليبيين والليبيات من الأحرار ما يجعل بسالتهم، مثل المسمار "ينخز" كل من يحاول أن يختال على الأرض مرحا.

عندما انكشفت جريمة سجن أبو سليم، وفي غمرة نظام الخوف والقسوة الذي يلقي بكلكله على ليبيا، خرجت المئات من الأمهات والزوجات والأخوات ليطالبن بكشف الحقيقة وبمحاكمة المسؤولين عن الجريمة، وبالكشف عن مصائر المئات ممن أختفت آثارهم.

لقد كان المشهدُ مروعاً. لم يجرؤ كل جلاوزة العقيد على أن يفعلوا شيئا. فالمرارة التي غلبت على النفوس كانت أعظم من أن يُرد عليها بالمزيد من القسوة.

ووقف الى جانب أولئك النسوة رجالٌ أشراف لكي يدافعوا عن حقهن في دماء ضحاياهن. والحق، بالنسبة لهم، ما يزال عدالة غائبة عن جريمة تستحق أن تسجل كواحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية.

ولئن كانت المنظمات الدولية لم تدفع بالأمور في الإتجاه نحو ملاحقته في المحكمة الدولية الخاصة بالجرائم ضد الإنسانية، فان ما يعرفه الجميع هو إن هذا النوع من الجرائم لا يسقط بالتقادم.

وماذا يفعل عقيد المال؟

لقد عرض على الثكالى شراء الدماء. ولكنهن رددن عليه بالقول: احنا ليبيين أحرار، ما ننشرى بالدولار.

لم يكن ممكنا لأسر الضحايا أن تطوّر تظاهراتها الى إنتفاضة ضد نظام أثبت، بالدليل المشهود، انه نظام فساد وجريمة. فالخوف ما يزال هو العملة التي يتداولها الليبيون فيما بينهم، أكثر مما يتداولون فقرهم وعوزهم نفسه.

كل إمرأة بكت، دفعت من دموعها ما يجعل الحرية تنحني خجلا.

وكل رجل شهم غامر بحياته من أجل الدفاع عن حقوق الضحايا بمحاكمة عادلة، جعل من حريته مسمارا "ينخز" كلَّ مَنْ أمسك قلما.

بحكمته الصحراوية، يعرف العقيد القذافي، أن التسويف مثل الصدأ،.. يأكل الحديد.

ورهانه، تجاه كل الجرائم التي ارتكبها ضد شعبه، يقوم على التسويف ليكون مثل الصدأ الذي يأكل الحديد.

وهو يشعر بالثقة من انه يملك كل الوقت. وبفضل رضا الإمبريالية عنه، فانه يملك سلاح الصدأ.

لقد حكم لأكثر من أربعين عاما، ويرى أنه يستطيع أن يحكم، برفقة سلالته غير المباركة، لأكثر من أربعين عاما أخرى.

ما ينساه العقيد هو إن التاريخ لا يصدأ، وإن دماء الضحايا لا تبرد.

*****

الهزيمة والأمل

الإنقلاب العسكري الذي قاده العقيد معمر القذافي عام 1969، كان من الناحية العملية، آخر المساعي التحررية الكبرى في الوطن العربي.

شيءٌ ما قد حصل، بعد تجربة العقيد في ليبيا، جعل كل المساعي التحررية العربية تتعثر. والمشروع القومي تحوّل من مشروع أمل الى مشروع نكسة. وسرعان ما تحولت الأفكار والتطلعات العملاقة الى مهزلة تثير البكاء قبل الضحك.

نعم، جرت إنقلابات صغيرة، في السودان وموريتانيا مثلا، إلا انها لم تكن سوى إعادة ترتيب أثاث داخلية. وهذه الإنقلابات لم تقدم نفسها بالتأكيد في إطار مشروع تحرري قومي شامل.

هل كانت مجرد مصادفة من مصادفات التاريخ المؤسفة ألا تتمكن "شعوب" الأمة العربية، من أن تجد إنقلابيين أو ثوريين جددا؟ أم أن عاقبة الفوضى التي جنتها ليبيا كانت هي التي وفّرت درسا؟

إذهب الى عام 1969.

كانت مصر ما تزال تلعق جراح هزيمة 5 حزيران – يونيو 1967. والمشروع القومي بدا منكسرا بما سوف يطلق عليه "النكسة". والزعيم القومي الأكبر، جمال عبد الناصر، ظهر وكأنه تلقى طعنة مصداقية خطيرة في خطابه الثوري.

اندفع عبدالناصر لإعادة البناء. بدأ بالجيش أولا. وأعاد توجيه الكثير من الموارد والإمكانيات من اجل توفير السلاح للمعركة المقبلة.

إعلان عبدالناصر عن رغبته في الاستقالة، غداة الهزيمة، والرفض الشعبي لها، ساعد في تكريس الاعتقاد بان عبدالناصر كان ضحية فشل قيادات الجيش المصري، وفي مقدمتها المشير عبدالحكيم عامر، الرجل الثاني في السلطة.

المصريون خرجوا الى الشوارع ليهتفوا بغضب "ح نحارب، ح نحارب"، وكأنهم كانوا يلقون بالمسؤولية على أنفسهم لا على عبدالناصر. ولكنهم خرجوا ليقدموا له الدعم والمساندة، وليعربوا عن الثقة به أيضا.

انشغل عبد الناصر بمداواة جرح النكسة. ومصر وقفت معه. أما في بقية أرجاء العالم العربي، فقد كان الوجوم والحيرة وضياع الأمل هو غيمة الإحباط التي تلقي بظلالها على الجميع.

المصريون كانوا يعرفون على الأقل ان أمامهم معركة تحرير ومعركة بناء مزدوجة. أما بقية العرب، فقد كانوا لا يعرفون ماذا يفعلون أو ما الذي سيواجهون.

كانت مصر تعيش على وقع الكابوس. فالجيش الإسرائيلي لم يكتف باحتلال سيناء، بل كان يبني أكبر حاجز دفاعي في التاريخ الحديث على الضفة الأخرى لقناة السويس ("خط بارليف"، نسبة الى الجنرال حاييم بارليف). وكان ذلك يعني إن إسرائيل تعدُّ لإحتلال أبدي.

أسطورة إقامة دولة يهودية تمتد من الفرات الى النيل، بدت وكأنها قطعت نصف الشوط.

مشاعر الذل العربية كانت من العمق بحيث عادت الأفكار والرؤى التحررية لتتصارع ليس مع واقع التخلف والفقر والعجز عن مواجهة إسرائيل، بل وأيضا مع تصور أن المسؤولية الأكبر في صنع هذا الواقع ملقاةٌ على عاتق النخب الحاكمة.

كان الشارع العربي يغلي ضد حاكميه. إنما باستثناء عبد الناصر الذي بقي رمزا.

وكان من البديهي أن تحصل تغييرات جارفة. والعسكر كانوا هم قوة التغيير الرئيسية.

لماذا العسكر؟

هناك سبب وحيد. وهو انهم يملكون القوة.

لقد كانت السلطات العربية، بنوعيها (الملكي والجمهوري)، محدودة الشرعية في أعين الجمهرة الغفيرة من مواطنيها. ولكنها كانت تمتلك القدرة على التحكم بآلة قمع جبارة. والطرف الوحيد الذي كان يمكنه أن يتحدى هذه الآلة ويحطمها هو الجيش.

ظل الأمل بتحرير فلسطين، في الوعي العام، منوطا بالجيش في كل مكان من العالم العربي. وهذا ما جعل هذه المؤسسة تشعر وكأنها على خط التماس المباشر مع الهزيمة. وكذلك: على خط الأمل، أيضا.

وبحكم هذه المسؤولية، كان الجنود والضباط، من مختلف المراتب، طرفا قويا في معادلة الأمل. وكانوا يعرفون ذلك جيدا.

وكان من السهل لأي أحد منهم، قادر على انتهاز الفرصة، أن يتحول الى "زعيم وطني" و"قائد قومي" بين ليلة وضحاها، إذا توفر لديه الاستعداد للمغامرة، وذلك بصرف النظر عن مدى مؤهلاته الفكرية أو الثقافية أو خبرته السياسية.

الكثير من "المسؤولين" العرب، الذين تخرجوا من صفوف العسكر، كانوا بالكاد يجيدون القراءة والكتابة. وجلهم يتلعثم إذا تحدث بالعربية الفصحى، ونادرا ما تجد واحداً منهم يعرف كيف يكتب مجموعة جمل مفيدة.

وهذا كان يكفي بحد ذاته لكي يقدم وعداً مأساويا بالنسبة لصنع خيارات المستقبل.

أن تجلب الجهل الى السلطة، يعني ببساطة، إنك تجلب قنبلة مؤقتة ستنفجر بالإقتصاد والمجتمع وفرص التنمية.

في العراق وسورية كان الجيش هدفا مباشرا للأحزاب الكبرى، وفي مقدمتها حزب البعث العربي الاشتراكي، الأمر الذي أتاح لكبار ضباط الجيش المنخرطين في السياسة، أن يتزودوا ببعض مؤونة فكرية وبمنهاج نظري يدعم تطلعاتهم الثورية.

لكن الأمر في ليبيا كان مختلفا.

1ـ الأحزاب نفسها كانت ضعيفة وضئيلة النفوذ، في مجتمع كان وجهه المديني محدودا أصلا.

2ـ الجيش لم يكن قوة يعتد بها بالنسبة لنظام ملكي كان يعتبر شرعيته بعيدة عن الجدل، ولا تحتاج الى مؤسسة قمع كبرى.

3ـ التأثر بتجربة عبدالناصر كان يعني من جانب آخر، إن الثورة لا تتطلب حزباً. الثورة هي التي تصنع الحزب.

أما في العراق وسورية، فبالنسبة للبعثيين على الأقل (وهم القوة التي ستهيمن على الحياة السياسية في نصف القرن التالي)، فلا مجال للشك على الإطلاق، بأن الأمر يأتي على العكس تماما: الحزب هو الذي يصنع الثورة. بل إن أفكاره ورؤاه هي بحد ذاتها.. أول الثورة.

"الوظيفة" الإنقلابية في ليبيا لم تكن تحتاج فكراً، ولا فلسفةً سياسية أو منهاجاً اقتصاديا، بل ولا حتى تورطا في أي عمل سياسي مسبق.

أما شارع الأفكار والرؤى فقد ظل على الدوام عاجزا سواء من ناحية امتلاك القوة، أو من ناحية النفوذ على من يمتلكون القوة.

لهذا السبب، فان أفكاراً عابرةً، وتصوراتٍ إفتراضيةً، وقناعاتٍ عامة، كانت تكفي لتجعل من ضباط الجيش يبدون وكأنهم قادرين على بناء دولة، وعلى حمل أعباء التخطيط والتنفيذ والإدارة في آن معا. وعلى الرغم من جهلهم النوعي والطبيعي، فقد وجد ضباطُ الجيش انهم يستطيعون توظيف الموارد والإمكانيات نحو بناء سلطة، وكذلك تبني بعض الخيارات الاقتصادية والاجتماعية الاصلاحية. هكذا خبط لزق.

وبعبارة أخرى، كان الجهل لا المعرفة هو سلاح الثورة!

ولا ينقص الجهلُ سوى أن تضيف اليه قليلا من الحماسة الثورية حتى يتحول الى كارثة. وهذا ما حصل بالفعل.

هل كانت القوى الاستعمارية، التي غادرت ليبيا من دون مقاومة، تجهل أن هؤلاء الضباط الذين حملوا أنفسهم الى السلطة يجهلون كل شيء تقريبا، وانهم سيفشلون؟

في الواقع، لا. ولهذا السبب فقد تركتهم يجربون حظوظهم، من دون تدخلات تقريبا، أو حتى مؤامرات.

لماذا تتحمّل هذه القوى تكاليف المؤامرة، إذا كان الفشل الذي سيجلبه أولئك الضباط لشعبهم وبلدهم سيكون هو المؤامرة الأهم؟

انتهز العقيد القذافي فرصة وجود الملك إدريس السنوسي في رحلة الى الخارج، ليحمل نفسه الى السلطة ببضع دبابات، وأسقط سلطة لم تقاوم على الإطلاق، بل ولم تدافع عن شرعيتها.

في العراق عاد حزب البعث الى السلطة عام 1968 في ثورة قادها مدنيون وعسكريون على مرحلتين فصل بينهما 13 يوما فقط. وقدمت الثورة نفسها على أنها "رد على هزيمة 5 حزيران-يونيو".

أما في سورية فان التصارع الداخلي حول المسؤولية عن الهزيمة بين صلاح جديد ونور الدين الأتاسي من جهة، وحافظ الأسد ومصطفى طلاس من جهة أخرى، حُسم في آخر المطاف بـ"الحركة التصحيحية" في 16 تشرين الثاني- نوفمبر عام 1970 التي انتهت بسجن صلاح جديد ورفاقه وارتقاء الأسد منصة السلطة.

مشروع الثورة في العراق انطلق من برنامجٍ تحرريٍ واسعِ النطاق، إجتماعيا وسياسيا واقتصاديا. وسيشهد التاريخ فيما بعد، أن العراق كان يخوض معترك تنمية هو الأشمل في التاريخ الحديث منذ بدء عصر النهضة.

سلسلةٌ طويلةٌ من المشاريع التنموية انطلقت مع كسب معركة تأميم نفط العراق واحتياطاته. فمن "خطط التنمية الإنفجارية" الى أوسع برنامج لمحو الأمية والتعليم الأساسي الإلزامي، والجامعي المجاني، الى تشريع قانون الأحوال المدنية، الى إنشاء الجبهة الوطنية والقومية التقدمية، الى قانون الإصلاح الزراعي وحل المشكلة الكردية، فقد انخرطت الدولة وحزبها في العراق في برنامج إعادة بناء سيثبت انه الأكبر في كل تاريخ مشاريع التحرر العربية.

ولكن هذا البرنامج التنموي العملاق لم يمنع من وجود "قنبلة مؤقتة" في داخله، حيث تسلق الكثير ممن لا يستحقون النفوذ الى مراكز السلطة، فأضعفوا قدرتها على الإستعداد، أو حتى على فهم المخاطر، حتى سقطت البلاد في آخر المطاف تحت سنابك الغزاة.

أما مشروع الحركة التصحيحية في سورية فقد وجد نفسه قادرا على بناء علاقات أفضل مع مصر، وذلك بعد سنوات من سلطة تأسست (عام 1963) على الإنفصال عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961. والإعداد للحرب كان هو الموضوع الرئيسي للتقارب مع مصر.

رحل عبدالناصر بعد وقت قصير من "أيلول الأسود" عام 1970 والذي أدى الى "طرد" الفصائل الفلسطينية المسلحة من الأردن ولجوئها الى جنوبي لبنان. الأمر الذي أتاح للزعيمين أنور السادات وحافظ الأسد أن يشرعا بإرساء علاقات تنسيق وضعت إرث الإنفصال جانبا. لقد قبل الطرفان أن يعيشا مستقلين، وأن يضعا التطلع الوحدوي على الرف قياسا بجدول الأعمال الأكثر أهمية بالنسبة لهما: تحرير سيناء والجولان والسعي لاستعادة شيء من الحقوق الفلسطينية المشروعة ("وفقا لمقررات الشرعية الدولية"، وتحديدا منها القرار 242 والقرار 338 اللذين أقرهما مجلس الأمن الدولي غداة 5 حزيران-يونيو). وكان أحد وجوه الجامع بين الزعيمين الجديدين أن السادات بدا ناصريا أقل، قبل أن ينقلب إيديولوجيا على عبدالناصر. أما الأسد فقد بدا عقائديا أقل وثوريا أقل كرد فعل على تطرف الثورية الذي مثله فريق صلاح جديد.

عالم المشاغل في ليبيا كان مختلفا. فعبدالناصر الذي كان المرشد الروحي للزعيم الليبي الشاب، تركه وهو في أمسّ الحاجة الى مرشد.

لم تكن لدى العقيد ذي الـ 27 عاما أي فكرة عن أي شيء خارج حدود الإعجاب والتأثر بعبدالناصر وخطاباته الثورية الملتهبة. ولا توجد مؤشرات تدل على انه كان ضليعا بفكر ما. فالعمر نفسه لم يكن يسمح له باكتساب الكثير من المعرفة من خلال العيش بين ثكنات الجيش. وسيقدم كتابه الأخضر فيما بعد، دليلا على أن الرجل لم يتورط بقراءة أي فكر.

وظل بسيطاً في تعبيره عن أفكاره، وشديد البدائية في تحليلاته للواقع الاجتماعي والسياسي. وهو أمرٌ سوف تشكل طريقته العشوائية في حكم البلاد مرآةً جيدةً له، كما أنه سيشكل أساسا لمستنقع الفوضى الذي ستغرق فيه ليبيا لما يناهز أربعة أجيال متتابعة دفعة واحدة.

"القنبلة المؤقتة"، ستثبت أنها أكبر من المعتاد، في بلد كان يتلمس أول الطريق نحو بناء خبرات ومعارف.

ولانه كان خالي الوفاض سياسيا، إلا من أعمال مستقاة من أيام المراهقة الطلابية، فقد قام العقيد القذافي (وكان ما يزال ملازما أول) بحركته الانقلابية، ليس من دون أفكار فحسب، بل ومن دون تنسيق لا مع حزب ولا حتى مع عبدالناصر نفسه.

فجأة، صبيحة يوم الأول من أيلول – سبتمبر وجد عبدالناصر أن على أبوابه "ثورة"، وأن هذه الثورة تلهج بإسمه، فكان لا بد له أن يدعمها، رغم إن علاقاته بالملك إدريس السنوسي كانت وطيدة بل وحميمة أيضا (لا سيما بعد رفضه السماح لبريطانيا باستخدام قواعدها في ليبيا للعدوان على مصر عام 1956، وهو ما اعتبره عبدالناصر موقفا قوميا مشرفا في خطاب مشهور).

رجل الدولة الذي كان يعد شعبه وجيشه للرد على هزيمة حزيران-يونيو، خشي من أن تتحول ليبيا الى فخ بالنسبة لخططه المستقبلية، فآثر أن يتعامل مع الثوار الجدد بتحفظ رغم تأييده لهم.

لم يعش عبد الناصر إلا عاما واحدا بعد "ثورة الفاتح". هذا الوقت القصير ربما كان السبب الذي أضاع الفرصة على ليبيا أن تعثر على برنامج عمل يساعدها على بناء دولة حديثة أو تشرع في مشروع تنمية قابل للاستمرار.

بوفاة "الأب" الروحي، وجد الإبن نفسه يتيما، سواء من ناحية الإرشاد السياسي لبناء دولة، أو من ناحية الإرشاد الفكري لإنضاجِ تصورٍ عقلانيٍ للتحرر.

ماذا كانت تعني الثورة بالنسبة للعقيد؟

لا يمكن معرفة القذافي في سنواته الأولى من دون إدراك طابعه البسيط والمباشر.

ولا يمكن أيضا التقليل من صدقية نواياه التحررية، وإخلاصه لها، قبل أن تعبث بها السلطة.

لا يمكن أيضا وأيضا الإستهانة بقدرته على البطش.

هذه عناصر كان يمكنها، لو عثرت على الطريق الصحيح، أن تنتج نجما ساطعا في سماء المشاريع التحررية.

كل الطغاة والجبابرة كانوا يتسمون بشيء من هذه السمات. بعضهم أنشأ إمبراطوريات عظمى، وبعضهم الآخر سقط في الحضيض.

بوسع المرء أن يقول، من دون تردد، إن التطلعات التحررية للعقيد القذافي شملت جوانب كثيرة تتعلق بقضايا العدالة الاجتماعية والمساواة وتحرر المرأة ونبذ الاستغلال ومكافحة الفقر.

فكيف مضت هذه التطلعات في الطريق الخطأ؟

على عكس الاعتقاد السائد، فان "الأفكار الصحيحة" هي التي تصنع الطغاة عادة!

الأفكار الخطأ يدحضها الواقع غالبا. والفشل في إملائها يُخزي صاحبها عادة، الأمر الذي يجبره على الإنزواء والتواضع.


Purchase this book or download sample versions for your ebook reader.
(Pages 1-25 show above.)